طعام الأسرى في رمضان.. الحاجة أم الإختراع

وكالة شهاب | الأحد 28 مايو 2017
كيف يعيش الأسرى الفلسطينيون شهر رمضان؟ هنا بعض من تجربتي الشخصية مع شهر رمضان داخل سجون الاحتلال، بقلم عامر أبو عرفة


يبدأ نهار الأسرى قبل الفجر بساعات حيث ينهض بعضهم لأداء صلاة قيام الليل بقلب خاشع وأكف مرفوعة لنيل الرحمة والفرج القريب من سجون ظالمة وقيود آثمة والخروج من جدران البعد وأسلاك الألم التي تحرمهم من أن تعطر أنفاسهم من رائحة التراب الذي جُبل بالدماء، ولتكتحل أعينهم برؤية الأرض التي قدموا من أجلها أجمل سنين عمرهم والتي عليها يجتمع الأهل والأحبة. 


يتوزع الأسرى في مجموعات داخل غرف ككل عائلة واحدة ويجتمعوا ليعدوا السحور الذي يكون خفيفا نوعا ما والذي يتكون عادة من الألبان والحليب والماء، وبعدها صلاة الفجر في جماعة، ويجتمعون لقراءة المأثورات الجماعية وبعد الإنتهاء يتوجهون للنوم، ولأنهم أسرى يستيقظون في اليوم عدة مرات أولها يكون بالعدّ الصباحي وبعدها للفحص (دق الشبابيك) ويعيشون خلال يوهم مع القرآن والتسبيح والقراءة والخروج للساحة للتنفس، ويستمرون هكذا حتى صلاة المغرب فيتحضرون قبلها لجلسة جماعية من أجل قراءة المأثورات والأدعية، ومن ثم يُرفع الآذان فيأكلون تمرة ويذهبون للصلاة ومن ثم يبدأون بالإفطار الجماعي. 


طعام الأسرى: الحاجة أم الإختراع
  أما عن الطعام فيبتكر الأسرى نظام طعامهم الخاص من المواد القليلة التي تتيحها لهم مصلحة السجون والتي على شحها يصنعون منها العجائب، فيسخرون من واقعهم ويتحدون مرارته ويعيشوا حياتهم رغم المحنة والمعاناة. 


ربما تتشابه أسماء الأكلات التي يعدها الأسرى داخل السجون مع تلك الأسماء المعروفة خارج السجن ولكن في الحقيقة لا يوجد تشابه بين تلك الأكلات إلا بالاسم فقط ومع إختلاف كبير في المكونات لقلة المتوفر منها.


فمثلا يقوم الأسرى بإعداد “الكنافة” بطريقة تختلف تماما عن تلك التي تُصنع بها في الخارج، حيث يصنعون العجينة من الخبز فيقطعونه لقطع صغيرة جدا ويسحقونها ثم يقوموا بوضع الزبدة والكركم لإعطاء لون للعجينة بدل الصبغة والقرفة لإضفاء نكهة عليها ويقومون بخلطها معا، ومن ثم يتم وضع العجينة على بلاطة تعطي حرارة بدلا من وضعها على النار أو الفحم وذلك لأن إستخدام النار والغاز ممنوع داخل السجن، وبعد خلطها جيدا يقومون بفرد العجينة داخل الصينية بعد دهنها بالزبدة ومن ثم يضعون طبقة من الجبنة الصفراء أو جبنة بيضاء تُصنع داخل السجن ومن ثم يضعون فوقها طبقة جديدة من عجينة الخبز المخلوط، يضغطون عليها كي تتماسك ومن ثم يتم تحميرها ويعدون القطر ويضعونه عليها ومن ثم يرشون الفستق فوقها.


عصير الجزر
 يقوم الأسرى بتقشير الجزر وبرشه لقطع صغيرة ثم يقومون بوضعه في الماء والسكر لفترة زمنية تترواح من 8-10 ساعات، ومن ثم يقومون بوضعه في “جراب جديد” وعصره بالكاسات.


القطايف
 يُحضر الأسرى شعيرية ويتم نقعها مع الحليب لمدة ساعتين ومن ثم يضعون نصف كاسة كولا سفن أب (لأن الكولا تعمل عمل الخميرة) ثم يقومون بتصفيتها بشكل جيدا ويتركونها فترة لكي تختمر، وبعدها يسكبونها كأقراص في مقلاة تيفال وعندما تجهز عجينة القطايف يقومون بحشوها بجوز الهند والسكر أو عجوة تمر أو الجبنة صفرا. 


الصيادية (سمك وأرز) 
يضع الأسرى في الطنجرة الطونا بدلا من السمك بعد تصفيتها من زيتها دون القيام بتفتيتها ويضعون فوقها الذرة ومن ثم يضعون الأرز المنقوع والمخلوط مع عصفر ويسكبون فوقها ماء ويتركونها حتى تنضج. وأحيانا يضيفون البطاطا والبصل والثوم.


   ويتم قص رغيف الخبز إلى جزئين ومن ثم يضعون صلصة بندورة على الرغيف، ومن ثم يفردون عليها خلطة مكونة من الطونة والذرة والفطر والبصل، ثم يضعون قطع من الجبنة الصفراء فوقها ويتم شواءها تحت بلاطة الحرارة.


 القدرة (المدفونة)
  يتم سلق الدجاج بعد تنظيفه ونقع الأرز مع العصفر، يوضع الدجاج المسلوق في الطنجرة ويوضع فوقه الأرز وقليل من الماء ويُترك على نار هادئة حتى ينضج. بعدها يسكبون السمنة فوق الأرز لإضفاء نكهة القدرة، علما أن السمنة يتم صناعتها داخل السجن وتتكون من الزبدة وزيت الزيتون والميرمية والعصفر والشومر.


  يحضر الأسرى صفحة من جريدة ويضعونها فوق الطنجرة ويحرقون الجريدة من النصف وينفخون الدخنة داخل الأرز ويحصلون على نكهة الدخنة التي تميز طعم القدرة. 


البوظة
  يتم تصفية لبن الشيمينت من الماء، ويوضع عليه ملعقة بودرة النيسكافيه البيضاء (ملبين) وملعقتين سكر، ويتم خلطهم جيدا، ثم يخلطونها بقليل من مربى الفروالة وتصبح الطبقة الأولى جاهزة، ثم يضعون طبقة ثانية بخلط الشيمينت بملعقة شوكو، بعدها يطحنون مكسرات فوقها ويضعونها في الثلاجة كي تبرد.
  بهذه المكونات البسيطة والتي لا تمت بصلة لمكونات الطبخة الصحيحة يصنع الأسرى أطباقهم التي يشتهونها مع علمهم أنه لا غنى ولا مقارنة بين وجباتهم التي يخترعونها وبين الطعام الذي تعده والدة أسير أو زوجته، وبتلك الطقوس العبادية والمرحة أحيانا والتي لا تخلو من الحزن والإشتياق يمضي شهر رمضان المبارك داخل السجن ويبدأون بالتحضير للعيد، وهذه حكاية أخرى.