فلسطينيو الشتات الأوروبي .. خطوات على طريق العمل المؤسسي

 

ماجد الزير

لندن - إكسبرس نيوز   الثلاثاء 2016/12/13

في قلب مدينة لندن، جلس ناشط فلسطيني على مكتبه بعد يوم عمل طويل، قام خلاله بإجراء اتصالات مع عدد من الشخصيات الإعلامية والفكرية البريطانية المتضامنة مع قضيته، ثم تابع مع فريق عمله آخر الاستعدادات لإقامة نشاط سنوي يعتني بتوعية الفلسطينيين المقيمن في أوروبا، بقضيتهم وحقهم بالعودة والتحرير.

ويؤكد ماجد الزير رئيس "مؤتمر فلسطييني أوروبا"، على أن "خسارته لوطنه فلسطين قبل نحو 100 عام، كانت بقرار سياسي انطلق من بريطانيا، حين أصدر آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 تشرين ثاني/ نوفمبر1917 إلى اللورد ليونيل وولتر دي روتشيلد رسالة يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

أطل الزير من نافذة مكتبه على شوارع لندن المبتلة بالأمطار قائلا إنه "منذ ذلك التاريخ، لن تعوض بريطانيا ذرة تراب واحدة من أرض فلسطين، كان عدد اليهود هناك (في فلسطين) لا يتجاوز 5 في المائة، وإلى يومناهذا سالت دماء كثيرة من الفلسطينيين وأنصارهم دفاعا عن أرضهم ورفضا لهذا القرار".

 لندن.. عاصمة للفعل

واليوم، وبعد نحو قرن من الزمان، تمكن نشطاء فلسطينيون هاجروا إلى بريطانيا وأوروبا، من تنظيم صفوفهم ولملمة جراحهم، مدركين أهمية دورهم في الشتات، مستفيدين من كل هوامش الحرية التي تمنح لسكان تلك البلاد، وأطلقوا أنشطة كبرى، تهدف إلى تعريف الأوروبيين بعدالة قضيتهم، وتعزيز شعور البريطانيين بمسؤوليتهم التاريخية عن الدماء التي سالت على أرض فلسطين.

ويوضح الزير، الذي كان يتحدث لمراسل "قدس برس"، أن العاصمة البريطانية "لندن التي انطلق منها وعد بلفور المشؤوم، استضافت أول فعاليات مؤتمر فلسطينيي أوروبا عام 2003 .. وعلى الرغم من كل التحولات الدولية والتحديات التي واجهتها المملكة المتحدة منذ وعد بلفور، إلا أنها لازالت تحتفظ بألقها كواحدة من أهم عواصم العالم تأثيرا ليس في السياسات العربية والشرق أوسطية وحدها، وإنما أيضا في السياسات الدولية" بحسب تعبيره.

ولا توجد احصائيات دقيقة للجالية الفلسطينية المقيمة في المملكة المتحدة، وإن كانت لندن العاصمة تستضيف الكتلة الأكبر منهم، وأنضوى معظم هؤلاء تحت أجسام فلسطينية تشكلت في المهجر الأوروبي، مثل "المنتدى الفلسطيني" أو "ممثلية الجالية الفلسطينية" المقربة من سفارة السلطة في لندن، إضافة إلى تجمعات مهنية ونقابية أخرى.

وتختلف الجالية الفلسطينية في بريطانيا عن مثيلاتها في ألمانيا والدول الإسكندنافية، حيث وصلت موجات الهجرة الأولى في الأربعينيات عقب النكبة مباشرة، وتلتها هجرات متعاقبة كان آخرها عقب حرب الخليج الثانية عام 1990، عندما إلتحق عدد كبير من الفلسطينيين الذين كانوا يقيمون في الخليج بأبنائهم المقيمين في بريطانيا.

وحصل العديد من أبناء الجالية الفلسطينية، على شهادات ساعدتهم للحصول على مراكز مرموقة خاصة في الجامعات والمستشفيات، إضافة إلى نجاحات على مستوى رجال الأعمال والذين يتركز نشاطهم داخل العاصمة لندن.

 مبادرة فلسطينيي أوروبا

وأمام خارطة كبيرة لفلسطين، علقت على مدخل مكتبه الذي يمثل مقر "مركز العودة الفلسطيني" في لندن، وقف الزير قائلا: "تحكي قصةُ الشتات الفلسطيني في القارة الأوروبية جانباً مهما من تجربة شعب فلسطين، الذي هُجِّر من أرضه ودياره، وتوزّع قسراً على مخيمات اللاجئين وبلدان الجوار وصولاً إلى أقاصي الدنيا".

وأضاف: "حاولنا في تجربة مؤتمرات فلسطينيِّي أوروبا، التي انطلقت عام 2003 بينما كان العالم العربي مشدودا إلى غزو العراق، بمثابة رسائل بليغة متأجِّجة بالإرادة وحافلة بالتصميم على بلوغ الهدف السامي الذي حدَّده شعب فلسطين لذاته؛ في الحرية والانعتاق من الاحتلال وتقرير المصير، وكانت العودة في مركز ذلك كلَّه" قالها بإصرار.

وبعد ثواني قليلة من الصمت، قال "كنا مبادرين حين أطلقنا فكرة المؤتمر، وجهود توحيد فلسطينيي القارة الأوروبية، الذين نعتقد أن بإمكانهم أن يقدموا الشيء الكثير للقضية الفلسطينية، وأن القوانين الدولية عامة والأوروبية منها على وجه الخصوص تمنحهم الحق في الفعل لصالح قضيتهم".

وأشار إلى أن "جانب المغامرة يكمن في أن مؤتمرنا يأتي بعد عقد كامل من توقيع اتفاقية أوسلو (عام 1993) التي تغير بموجبها ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية لجهة الاعتراف بالاحتلال، ويأتي أيضا بينما يدخل العالم العربي مع غزو العراق مرحلة جديدة من تاريخه، انشغل بعدها العرب والمسلمون بقضاياهم، ودفع اللاجئون الفلسطينيون ثمنها باهظا".

وبارتياح مخلوط بالإرهاق، قال الزير "لكن تلك الفكرة سرعان ما تحولت إلى فعل ثقافي واجتماعي وقوة تأثير سياسي كبير في الدول الأوروبية، وتمكن المؤتمر من التحول خلال الأربعة عشرة سنة المنصرمة من تاريخه، إلى مؤسسة فعلية يحسب لها الساسة الأوروبيون، فضلا عن الاحتلال ألف حساب"، كما قال.

 فلسطينيو أوروبا بلا انقسامات

وبالرغم من الانقسامات الفصائلية الفلسطينية، إلا أن الزير يؤكد على أن الأنشطة التي تنظمها مؤسسته في أوروبا "بقيت دوما على الحياد في الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني، وحاولنا أن نكون قوة دفع باتجاه الوحدة دفاعا عن قضيتنا.. فنحن لسنا فصيلا سياسيا، بل إطار شعبي يجمع الشتات الفلسطيني الأوروبي، باتجاه دعم حقوق الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال" بحسب وصفه لمؤسسته.

وأعرب الزير عن أسفه لما اعتبره عدم مقدرة "الفاعل السياسي الفلسطيني من الاستفادة من الثروة الفلسطينية الموجودة في الشتات الأوروبي".

وأضاف "نحن نعلم أن منظمة التحرير الفلسطينية، نشأت في الشتات، وتحت غطائها تم فعل الكثير ضد الاحتلال، قبل أن تنحاز لمسار أوسلو (التسوية السياسية مع الاحتلال) قبل نحو ربع قرن من الآن، ومنذ ذلك الحين لم يعد الفاعل الفلسطيني إلى الشتات، الذي يفوق في تعداده نصف الشعب الفلسطيني ليس لأخذ رأيه في مصير قضيته فحسب، وإنما في تقوية ظهر الفاعل السياسي"، على حد تعبيره.

يشار إلى أن القائمين على "مؤتمر فلسطينيي أوروبا" انهوا معظم استعداداتهم لعقد دورتهم الـ 15 في مدينة روتردام الهولندية منتصف نيسان (إبريل) المقبل، تحت شعار "100 عام .. شعب ينتصر وإرادة لا تنكسر"، ليواكب المؤتمر فعاليات الفلسطينيين في مختلف انحاء العالم بإحياء الذكرى المئوية لصدور وعد بلفور، الذي أسس لمحنتهم المستمرة.