إنقـاذ فلسـطين من الأعداء الجدد

د. سلمان أبو سته  الثلاثاء 2016/12/20


هذا العام يكمل الشعب الفلسطينى 100عام من النضال من أجل أن يعيش حراً كريماً فى وطنه ، وهذه هى أطول حرب منظمة مستمرة ضد شعب اعزل . كان العدو ولايزال هو الاستعمار الغربى والصهيونية الاستيطانية الاستعمارية .


وكان قادة الشعب الفلسطينى يحاربون هؤلاء الاعداء  حسب قدراتهم ، وخلفهم الشعب الفلسطينى يفتدى حقه فى وطنه بأرواح الشهداء وصمود الاحياء . كان الحاج امين الحسيني يستنهض الهمم ويستنجد بالأمة الاسلامية لانقاذ الاقصى . وبنى ياسر عرفات على تنظيمات الفدائيين فى غزة التى تطورت الى الثورة الفلسطينية بعد عام 1968 وبعد انشاء المنظمة عام 1964 ، والتى ادت الى عودة قضية فلسطين الى صدارة قضايا العالم عندما القى ياسر عرفات خطابه فى الامم المتحدة عام 1974 .


لكن الانحدار بدأ بعد ذلك ، وتكلل بأتفاقية اوسلو التى عادت بالوبال على الشعب الفلسطينى وبالكوارث أكثر مما فعل وعد بلفور .


وإن كان ياسر عرفات قد أخطأ التقدير بظنه أن أوسلو ستكون وسيلة للعودة الجزئية  الى الوطن المحتل عام 1967 ، فان محمود عباس مهندس اوسلو وحاميها وراعى كوارثها الى يومنا هذا لم يكن مخطئاً فى التقدير،  بل كانت النتيجة اليوم فى صميم تقديره .


اتفاقية اوسلو لم تذكر ولو مرة ” الحقوق ” الفلسطينية ولا القانون الدولى ولا قرارات الامم المتحدة . لقد خلقت اوسلو حكومة فيشى الجديدة على نسق حكومة فيشى الفرنسية المتعاونة عندما كانت فرنسا تحت الاحتلال النازى الالمانى . بل ان بروتوكول باريس الاقتصادى الذى وقعه أحمد قريع  وجعل الاقتصاد الفلسطيني رهينة لاسرائيل ( 98% من واردات الضفة من إسرائيل ، و 78% من المعونات الدولية تذهب الى اسرائيل ) ، هو صورة طبق الاصل من بروتوكول باريس الاقتصادى الذى وقعته حكومة فيشى مع النازية عام 1941 .


لقد تراجع أحمد قريع وأقر بأن اتفاق اوسلو كارثة ، وتخلى ياسرعبد ربه عن الغاء حق العودة  تحت غطاء ” اتفاقية جنيف ” ، ونسمع ان صائب عريقات يطلق التصريحات بفساد اتفاقية اوسلو .


إلا محمود عباس . فقد تمسك بأوسلو أكثر من تمسك نتياهو بها . ولم يتعلم من دروس الفشل التى كانت تلقى عليه وتصفعه كل يوم لمدة 23 عاماً .


لكن هذا يهون امام تدمير المنظمة ومجلسها الوطنى وهو الانجاز الوحيد الذى بقى لنا ، حتى نبقى شعباً واحداً له وطن واحد .


لقد حول دائرة اللاجئين التى تمثل ثلثى الشعب الفلسطيني ( أكبر من الأردن أولبنان ) الى محل تقاعد لبضعة موظفين .


 لقد رفض باصرار الدعوة الى انتخاب مجلس وطني جديد حتى قبل فوز حماس بالانتخابات. لقد رفض التسجيل فى محكمة الجنايات الدولية وقبول قرار جولدستون إلا بعد لأى . لقد اهمل حقوق ثلاثة ارباع الشعب الفلسطيني ، وادعى ببقائه فى سلطة تحت الاحتلال يعيش فيها الربع الباقى ، أنه يمثل كل الشعب الفلسطيني ، ودعمته اسرائيل والغرب لانه الوحيد تحت هذا الادعاء الذى يقبل بالتعاون معهم والتفريط فى حقوق الشعب الفلسطيني .


وقدم محمود عباس لاسرائيل تنازلاً معلناً مشهوداً عن اربعة اخماس فلسطين بأن طلب من اغلبية اعضاء الامم المتحدة التصويت على دولة فلسطين فى خُمس أرض فلسطين خلافاً للميثاق الفلسطيني الذى يمنع التفريط فى ذرة من تراب الوطن ، ودون موافقة الغالبية الساحقة من الشعب الفلسطيني . وهذا يعنى أن 20% من فلسطين أصبح وطن 12مليون فلسطيني وأن 80% من فلسطين أصبح وطن 5 ملايين يهودى.


وهذه هدية لم تحلم بها اسرائيل منذ وعد بلفور وماتلاه من سلسلة اقتراحات مشاريع التقسيم المرفوضة فى اعوام 1937 و 1947 والتى ليست لها قيمة قانونية  مالم يوافق عليها الشعب اذا تنازل عن وطنه . وها هو الآن محمود عباس يقدم هذا التنازل عن معظم فلسطين ، نيابة عن الشعب الفلسطيني .


وطاف محمود عباس بالدول العربية والاسلامية يحمل منشوراً بأعلام 56 دولة يبشر فيها باعترافهم باسرائيل مقابل اعتراف اسرائيل بدويلة فى فلسطين . اسرائيل التقطت الفرصة واقامت علاقات معلنة وغير معلنة مع هذه الدول ، ومن بينها بعض الدول العربية ، التى جروأت على ذلك ( ولم تكن تجرؤ من قبل ، عندما كان للقضية الفلسطينية هيبة )، باعتبار أنها لن تكون اكثر ولاء لفلسطين من ” قادتها ” .


أعترفت تلك الدول باسرائيل صراحة أو ضمناً ، ولم تعترف اسرائيل بأى فلسطين على أى بقعة .


لانريد أن نذكر هنا الفساد المالى والوطنى للسلطة وخدمة العدو الاسرائيلى فهذا معروف للجميع .


ولكننى اريد ان أذكر الآتى لأبين جسامة التردى الذى وصلنا اليه . بعد غياب المنظمة وتصدر السلطة ، لم يعد فى الساحة الدولية من يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة إلا الافراد والجمعيات والهيئات الفلسطينية فى الشتات وبعض البلاد العربية ، وحتى الاجنبية المتضامنة مع فلسطين . هم الذين ملأوا هذا الفراغ .


ولكنهم عندما عرضوا مطالب الشعب الفلسطيني فى كامل وطنه وحق العودة اليه ، وحقه فى مقاومة المحتل ، امام الجهات الاوربية الرسمية ، فوجئوا بالرد بأن هذا لايمثل الرأى الرسمى الذى يتلقونه فى المخاطبات والمداولات الرسمية . وأنا شاهد على ذلك فى عشرات الحالات .


يصبح العبء اذن على المدافعين عن الحقوق الفلسطينية أن يبينوا أن هؤلاء ” الرسميين ” لايمثلون الشعب الفلسطيني ، وليست لهم شرعية ، لا فى الشتات حيث لم ينتخبهم أحد ولا فى الاراضى المحتلة عام 1967 حيث انتهت شرعيتهم من سنوات .


وأصبح لدى الشعب الفلسطيني لاول مرة اعداء لحقوقه من بين افراده ، يضطر الى مقاومتهم بجانب الاعداء التقليديين . وهذه قمة المأساة .


 والحل طبعاً ان يصر الشعب الفلسطيني على انتخاب مجلس وطنى جديد لشعب بلغ تعداده اكثر من 12 مليون ، غالبيتهم شباب ولدوا بعد اوسلو . ويرفضون ان يقرر مصيرهم من لم ينتخبوه ، بل من يعادى حقوقهم ويقزم وطنهم الى رقعة منه خادمة للاحتلال .


اذن على الشعب الفلسطيني ان يرفع صوته وينظم نفسه فى مؤتمر شعبى عام ، ويطالب بإنتخاب مجلس وطني جديد ، وينظف البيت الفلسطيني بمكنسة ديموقراطية ، ويعيد الى الصدارة قيادة جديدة شابة كفئة نظيفة ، جديرة بهذا الشعب الذى لايزال يحارب من أجل حريته قرناً من الزمان ، وإن كثرت عليه الأعداء .

المصدر: صحيفة رأي اليوم لقراءة المقال من المصدر انقر هنا