اللاجئون الفلسطينيون ونكبة فلسطين الكبرى 1948: من خيام البؤس إلى ولادة الفدائي الفلسطيني المقاوم

 خاص | الثلاثاء 7 فبراير 2017

عبد الله ابو راشد

 مدخل مفتاحي

ثمة تقاطع مفاهيمي ورمزي ومجازي، ما بين الفدائي الأول السيد المسيح "عيسى بن مريم" الفلسطيني والناصري والجليلي, والفدائيين الفلسطينيين المتوالدين في مدارات الزمن الفلسطيني المتواتر قديما ومعاصرة. وحتى آخر فدائي فلسطيني سيولد مع فجر الحرية والكرامة والعودة المحمودة للوطن الفلسطيني المتحرر من جميع القتلة والغزاة والطغاة والمارقين في واحتها المفتوحة على الحرية. وثمة ما يُحكى ويُقال ويرتسم فوق الشفتين وشغاف القلب وتوليفات العقل أكثر من مُقاربة نصيّة وسؤال. 


وتصدمك أيام العرب العاربة العجاف التي أفسحت المجال، وفتحت الأبواب المُغلقة جميعاً على مصراعيها لكل مُتسلق وغازٍ وطاغية ومُستعمر ومُغتصب. وتُصاب بلوثة المصطلح الذي رافق الفلسطينيين كظلهم في هجراتهم المتعاقبة، ومتعددة التواريخ وأماكن اللجوء أيضاً في مشارق الأرض ومغاربها. وأنتجت كلمات مثل: (اللاجئ واللاجئين)، باعتبارها من العبارات المُستدامة في مدارات العمل السياسي العالمي والعربي، ولصيقة بالفلسطيني وحده الذي أجبرته الغزوة الاستيطانية الصهيونية على مغادرة وطنه عقب نكبة فلسطين الكبرى عام 1948. وقد روجت لها دول صناع الاستعمار في معابر عصبة الأمم المتحدة ومجلسها المُصغر، وجمعيتها العمومية من خلال استصدار قرارات خاصة بالشعب الفلسطيني المُشرد والمطرود من أرضه، درءاً للفضيحة العالمية المرتكبة من قبل الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي: (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفييتي وروسيا حالياً، وبريطانيا، وفرنسا، والصين). كونها عبارات ذات لغة دبلوماسية وسياسية محددة التوصيف الشخصي والزماني والمكاني حول الشعب الفلسطيني -لا يُجاريها في مأساتها أية قضية-  وكانت التسمية (اللاجئ واللاجئين)، متوالدة من القرار الصادر عن هيئة الأمم المتحدة تحت رقم "302، كانون الأول/ديسمبر، 1949" والقاضي بتأسيس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين في الشرق الادنى "الاونروا"، باعتباره قراراً أممياً خاصاً ومقصوداً لرعاية وحماية وتأمين وسائط العيش والعمل للفلسطينيين المُشردين، وكمجال مهني لتشغيلهم ومتابعة عملياتهم المحصورة في الضفة الغربية وقطاع غزة وسورية ولبنان والأردن.


مُقاربة نصيّة ومفاهيمية

ومنذ ذلك الوقت حملوا اسمهم الذي لا يفارقهم: "اللاجئين الفلسطينيين". ولها من العمر نحو ثمانية وستين عاماً مريرة من دروب الآلام، وهي مواكبة لشؤونهم وشجونهم ومعيشتهم ومآسيهم، وما تعرض له الشعب الفلسطيني من اقتلاع منهجي من أرضه عنوة وبمباركة الدول الكبرى، والتي سعت لإحلال شعب آخر مؤتلف من شذاذ الأفاق من اليهود الصهاينة ومن ساندهم في عدوانهم سيئ الصيت والسيرة. لتمسي قضيتهم، أي قضية اللاجئين الفلسطينيين الشائكة في الملفات الدولية والسياسة العالمية التي تميل في مواقفها الأكثر تطرفاً وانحرافاً، وانحيازاً لدعم الكيان الصهيوني المزروع في فلسطين المحتلة. تحقيقاً لأهداف محض استعمارية أوروبية وأعجمية لأبغض استعمار استيطاني إجلائي واحتلالي عرفته البشرية.


وأمست فلسطين وقضية شعبها اللاجئ، القضية الحيوية في الضمير الإنساني العالمي باعتبارها قضية شعب اقتلع وشُرد من أرضه، ولم يبقَ لها نظير أو مثيل أو شبيه في العالم المعاصر. كحالة اغتصاب منهجي غير مسبوقة في أليات الاقتلاع والعدوانية لشعبنا الفلسطيني المتوزع في أراضي المعمورة، سواء داخل فلسطين المحتلة أو محيطها العربي أو الدول الأوربية والأمريكية وسواها.


وغدت الخيمة الأولى في بلاد العرب "أكفاني" وداخل الوطن الفلسطيني المُغتصب، واحة حبلى بهموم اللاجئين الفلسطينيين منذ اللحظات الأولى للتشرد واللجوء، وما زالت هي الصدمة الأولى الوجودية والعاطفية التي عايشها فلسطيني اللجوء في ذلك الزمن الفلسطيني الصعب. والتي افقدتهم التوازن الانفعالي والعقلي والمعرفي والاجتماعي بعض الوقت وأدخلتهم وأولادهم وأحفادهم في مجرتها المُحزنة توارثاً لصفتهم في هجراتهم المستدامة.


 وفي الوقت نفسه نلحظ طبيعة الحالة الانفعالية والوجدانية التي لازمت الفلسطينيين ومواقفهم تجاه كلمة ومصطلح اللجوء، الذي ولّد في دواخلهم بركان غضب متأجج بالحزن والبؤس والشجن الدامي، وكانت حالات الإضراب والتمرد على سلطة الانتداب البريطاني والرافضة لوعد بلفور ولجان المراقبة الدولية ولقوافل المهاجرين اليهود الصهاينة. والتي توجتها الثورة الشعبية الفلسطينية الشاملة في الإضراب الستيني، وثورات السنوات الثلاثة ما بين أعوام 1936-1939والتي واكبت مؤامرات الهجرات اليهودية الصهيونية إلى فلسطين ما قبل نكبة 1948 في تآلفات الشباب الفلسطيني في مخيمات اللجوء عموماً في سورية خصوصاً منذ خمسينيات القرن الماضي ولادة منظمة التحرير الفلسطينية عام 1963 ومن ثم انطلاقة الشرارة الفدائية المُعلنة الأولى للثورة الشعبية الفلسطينية المسلحة عام 1965 تلك الرافضة لذلك الواقع والتمرد عليه بصور وأشكال نضالية متعددة. فكان الفدائي الفلسطيني هو الرمز والمجال الحيوي لولادة فلسطينية مُباركة، شكلت سورية حلقتها الرئيسة منذ خمسينيات القرن الماضي، ومنصة انطلاقتها المُبكرة التي سبقت تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بسنوات- كما أسلفنا- , في مدينة دمشق ومخيم اليرموك وسورية عموماً، وتبعتها بقية الجبهات النضالية في قطاع غزة والأردن ولبنان.


 شكلت مدرسة "معهد فلسطين" بمخيم " الأليانس" في حي الأمين بدمشق، والفرقة الكشفية الفلسطينية "38" وما عرف "ببيت أمنة" مع خمسينيات القرن الماضي، المنطلق لولادة الفدائي الفلسطيني وترعرعه في بيوت وأحياء دمشق القديمة والبساتين المحيطة بمخيم اليرموك باعتباره قاعدة الانطلاق الثورية ومجمع ثوري لبناء الفدائيين، سواء على جبهة الوعي الفكري والثقافي والتربوي والكشفي وسواه أو على صعيد البناء الحزبي الأيديولوجي في سياقات العمل السياسي السري. ومنها تخرج العديد من القامات الفلسطينية الرائدة ومن مختلف المجالات والميادين السياسية والتربوية والثقافية والفكرية والفنية والعسكرية. وقادوا بفاعلية اللبنات الأساسية في حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة، والتي كانت منظمة التحرير الفلسطينية البوتقة الجامعة لجميع التيارات والمكونات السياسية والعسكرية والفكرية والثقافية.


وأصبحت مخيمات اللجوء والبؤس الفلسطيني هي الموئل الأول والباني الحقيقي لمفاعيل الثورة وزادها المتوهج، ووقودها المتأجج اللهب في مواجهة العدوان الصهيوني وفي جميع الجبهات المحيطة بفلسطين وفي داخلها ايضاً. وكلمة الفدائي أمست ضرورة يومية ونضالية ورمزية فائقة الروعة في أذهان وعقول جميع فئات ومكونات الشعب الفلسطيني، ومفخرة يتقلد وسامها كل فلسطيني يسكن المخيم. وكان الفدائي الفلسطيني وكأنه الفدائي الأول في صورة السيد المسيح الفلسطيني الناصري والجليلي المتجدد في لباسه العسكري المرقط وشماخه الذي يلثم وجهه ويبقي عينيه متيقظة لتصيد فلول الغزاة الصهاينة.


 إن معادلة الفدائي الرمز المقاتل غيرت مفاهيم اللجوء, وأخرجت الفلسطينيين من واقع البؤس والنكد والحزن واليأس والوقوف المُذل على أبواب المساعدات التي تُقدمها هيئة الأمم المتحدة لتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). إلى الوصول لمساحات الحلم واليقظة وترجمات الرؤى المستوطنة للعقول والقلوب والمشاعر التي سكنت مواجع كل فلسطينية وفلسطيني لاجئ.


ولتنبه العالمين العربي والعالمي ودولها وشعوبها ومنظماتها الأهلية والإنسانية بمأساة الشعب العربي الفلسطيني, ولتمسي قضية اللاجئين الفلسطينيين ونضالهم المشروع متعدد الوسائط والجبهات بما فيها العسكري مبررة ومباركة من جميع أحرار العالم. وتنقلهم صولات الفدائي الكفاحية والتحررية من واحة اللجوء المقيت إلى فسحة قضايا التحرر ومعابر حرية الكرامة للأرض والإنسان، ولتكون بذلك القضية الفلسطينية القضية المركزية للنظام التحرري العالمية.


   * باحث وكاتب فلسطيني سوري.