الكشفية الفلسطينية.. بين الداخل والخارج

محمد أبو شقرة - عربي 21 | الخميس 16 فبراير 2017

خلال السنوات الماضية بات يظهر على نحو واضح كيف تطورت الحركة الكشفية الفلسطينية في دول الشتات، بدأ الطابع الاحترافي يصبغ عمل هذه المجموعات وتحديدا في سوريا ولبنان، إن من جهة التدريب والتأهيل الكشفي، أو الدراسات المتقدمة وشهادات الشارة الخشبية من كبار القادة في مجال التدريب الدولي، أو من ناحية العلاقات العالمية واتفاقيات التعاون مع عدد من المجموعات الكشفية على الصعيد العربي والدولي، في هذا الإطار يطرح سؤال مشروع حول إذا ما كان يحق للمجموعات الكشفية في بلاد الاغتراب أن تكون جزءا من العمل الكشفي الفلسطيني أم ان الجنسية الثانية التي حصل عليها معظمهم تحول دون ذلك؟!

 

في الفترة الأخيرة تطرح مشاريع عدة تتمحور حول توحيد العمل الكشفي الفلسطيني في الداخل والخارج، وقد كانت كشافة الإسراء التي تشرفت بقيادتها ما بين العام 2008 و2014 من أول الداعين لذلك، ولكن للأسف مورست ضغوط عدة لافشال تلك الجهود.
 
وخلال العام 2011 ومع إطلاق فعاليات إحياء ذكرى مئوية الكشاف الفلسطيني تداعى عدد من القادة الكشفيين الفلسطينيين في الخارج والذين يمثلون العمل الكشفي الفلسطيني في الخارج لتأسيس التجمع الكشفي الأهلي الفلسطيني وهو تجمع أهلي ليس بديلا عن أحد وإنما هدفه توحيد العمل الكشفي الأهلي الفلسطيني وتوحيد الجهود والبرامج والمناهج والتدريب والنهوض بالعمل الكشفي الفلسطيني، حيث أقام التجمع عدد من الفعاليات والدورات والملتقيات التي ضمت قادة وأفراد العمل الكشفي الفلسطيني في الخارج لأكثر من 8 دول، رغم هذا العمل إلا أن السعي لتوحيد البيت الكشفي الفلسطيني بين الداخل والخارج وتفعيل دور العمل الكشفي في الخارج بقي متواصلا حتى صدر قرار بتشكيل لجنة تسيير الأعمال الكشفية في الضفة وغزة والشتات، آملين أن تفعّل أعمالها لانضمام كل من يعمل في هذا الإطار.
 
فقد آن الأوان لنعمل سويا تحت العلم الفلسطيني ضمن رؤية واضحة، تتضافر جهودنا لتحقيق الأفضل لأبنائنا الكشفيين، صحيح أن لكل منا رؤيته وطريقته في التربية، لكن الأهم في تقديرنا هو أن نقدم إطارا عاما يجمعنا يشكل نموذجا حضاريا للجيل الناشئ من الأشبال والكشافة والجوالة، ولعل المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج الذي سيعقد في اسطنبول نهاية شهر فبراير الحالي يكون فرصة مهمة لكل أبناء الحركة الكشفية خارج فلسطين للتلاقي وبحث آفاق التعاون والتنسيق فيما بينهم ويساهم في دمج هذه المجموعات ومقدمة للاندماج الأكبر مع حركتنا الكشفية داخل الوطن.
 
فالحركة الكشفية عريقة ومتجذرة في التاريخ الفلسطيني، تعود إلى عام 1912، حيث أعلنت عن انطلاقتها بالتزامن مع الحركة الكشفية العربية في لبنان وسوريا، وبعد عامين وبسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى توقفت الحركة الكشفية، لتعود وتنطلق من جديد 1919 مع فرقة مدرسة الرشيدية بالقدس، ازدهرت الحركة الكشفية بعد ذلك فتكونت فرق كشفية عدة في نابلس وحيفا ويافا والناصرة وغزة وغيرها من المدن، توّج هذا النشاط الكبير بأول اعتراف عالمي بها عام 1928، الأمر الذي سهل مشاركة الكثير من قادة الكشافة الفلسطينيين في المخيمات العالمية، وخاصة عامي 1929م في بريطانيا، و1933م في بودابست.
 
في فترة الثلاثينات نما على نحو كبير نشاط الحركة الكشفية الفلسطينية، فكان لها جهد ملحوظ في الثورة الكبرى التي اندلعت عام 1936، ما دفع الحكومة البريطانية لمطاردتها ومنع أعضائها من الظهور بالملابس الكشفية؛ فتوقفت أنشطة الحركة الكشفية، وفي عام 1944 استقلت الحركة الكشفية في فلسطين ولم تعد تابعة لدائرة المعارف، وبعد عام أنشئت جمعية الكشاف العربي الفلسطيني في مدينة القدس، بقرار من مؤتمر الشباب الفلسطيني الأول، وافتتحت لها فروعا في جميع المدن الفلسطينية،  وقامت تلك المجموعات بنشاط كشفي فعال حصلت به على الاعتراف رسميا من المكتب الكشفي العالمي عام 1945م، لكن هذا الاعتراف لم يدم طويلا، حيث سحب في أعقاب حرب عام 1948. بعد النكبة وبسبب الاحتلال توقف العمل الكشفي لفترة طويلة، ليستأنف من جديد عام 1964 حين أصدر الحاكم العام المصري في قطاع غزة قرارا بتشكيل الهيئة العامة الفلسطينية للكشافة والمرشدات وهي بمثابة امتداد لجمعية الكشاف العربي الفلسطيني.

أما في الضفة الغربية فقد اندمج العمل الكشفي ضمن إطار العمل الكشفي الأردني وتحت رعاية الكشافة الأردنية وانتشرت المجموعات الكشفية في غالبية مدن وقرى الضفة الغربية بشكل ملحوظ وبقيت الحركة الكشفية فاعلة ولم تتأثر بالنكبة، بل على العكس فقد ازدهرت أكثر فأكثر.
 
تأثر العمل الكشفي الفلسطيني بسبب النكسة التي حصلت في حزيران/يونيو عام 1967، لتبدأ الجهود في الخارج تحت إطار جمعية الكشافة والمرشدات الفلسطينية، لكن للأسف كان واضحا غياب بعض دول الشتات الفلسطيني عن نظام عمل الجمعية رغم تقديمه أداء كشفيا مميزا وناشطا كما كان الحال في دولة الكويت إبان حرب الخليج والتي قدمت عددا كبيرا من قادة العمل الكشفي الفلسطيني امثال النشاشيبي ومراد وطهبوب وغيرهم، بعد حرب الخليج اقتصر العمل الكشفي الفلسطيني في الشتات على اللاجئين في سوريا ولبنان وبرز عدد كبير من المجموعات والجمعيات الكشفية الفلسطينية غير المنضوية تحت إطار جمعية الكشافة والمرشدات الفلسطينية، وتفعّل دور هذه المجموعات في المخيمات الفلسطينية في سوريا ولبنان لتأخذ الدور المهم في تربية أبناء فلسطين التربية الوطنية والدينية والاجتماعية ولتقربهم من تاريخهم وقضيتهم، انصب عمل الحركة الكشفية في الشتات خلال مراحل على الخدمات الاجتماعية لأبناء المخيمات، ولم تتوان الحركة الكشفية الفلسطينية يوما من حضور المشاركات العربية والدولية الكشفية رغم أنها عضو غير أصيل في الحركة الكشفية العالمية بعدما نزع عنها الاعتراف إبان النكبة الفلسطينية بتوجيه إسرائيلي.
 
بالرغم من كل هذه المعوقات والعراقيل فقد تابعت الحركة مسيرتها فحصلت على الاعتراف بمئويتها الكشفية عام 2011 في المؤتمر العالمي في البرازيل، هذا الاعتراف شكل خطوة مهمة على طريق استكمال الكشاف الفلسطيني للاعتراف بحقوقه، فكانت الصولات والجولات الفلسطينية والعربية من أجل إعادة عضوية الكشاف الفلسطيني في المنظمة الكشفية العالمية، حيث بذل جهد كبير من مؤسسات كشفية عدة وفي مقدمتها المنظمة الكشفية العربية أو ما تسمى بالإقليم العربي في المنظمة الكشفية العالمية إلى أن حصلت فلسطين على الاعتراف العالمي والعضوية الكاملة في المنظمة العالمية، هذا الاستحقاق الكبير من شأنه أن يؤسس لمرحلة جديدة من العمل الكشفي الفلسطيني على أسس واضحة تضم كل من يعمل في الحركة الكشفية الفلسطينية بعيدا عن الانتماءات والاختلافات فالحركة الكشفية ووفق دستورها وأدبياتها الأساسية طريق أساسي للوحدة لا للتفرقة.